said63 منتديات شباب العارب
عدد الرسائل : 4133 العمر : 61 تاريخ التسجيل : 14/02/2007
| موضوع: حـفــــاوة فـي غـير محلهـــا ..فهمي هويدي الثلاثاء مايو 29, 2007 12:41 am | |
| قضايا و اراء 44003 السنة 131-العدد 2007 مايو 29 12 من جمادى الاولى 1428 هـ الثلاثاءحـفــــاوة فـي غـير محلهـــا بقلم: فهمـي هـويـــدي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] لا تغرنك المليارات التي انهالت علي الخزانة المصرية هذا الشهر, من جراء بيع بعض أراضي المحروسة, أولا لأن جنابك ليس بالضرورة طرفا في الموضوع, وثانيا لأن هذه الأموال ذاهبة إلي عنوان آخر, تنتظرها فيه بئر بلا قاع. (1) لا أريد أن أكون كمن يطفيء الفوانيس في الفرح, لأنني وجدت حفاوة إعلامية بما جري, صورت حصيلة بيع الأراضي التي بلغت17,7 مليار جنيه وكأنها ضربة معلم, وهي ذات الحفاوة التي استقبلت بها الأخبار الأخري التي بشرتنا بأن تلك المليارات ليست سوي حصيلة وجبة أولي وثانية من التراب المصري المقرر بيعه للمستثمرين, حيث المعروض للبيع تباعا20 ألف فدان, وما تم بيعه خمسة آلاف فقط.
لم أبتلع فكرة بيع الأراضي لغير المصريين, أولا, لأنها أصول من نوع خاص جدا, ينبغي عدم التفريط فيه, وخصوصيتها تنبع من أن موضوعها هو تراب الوطن, وهذا وحده سبب كاف للتشبث به, ثانيا لأن البيع لغير المصريين لا يخلو من مغامرة قد لا تكون مأمونة العاقبة, ولنا في حكاية بنك الاسكندرية عبرة, فإنه حين عرض للبيع لم يتمكن أحد البنوك الإسرائيلية من شرائه, فتخفي وراء بنك إيطالي قام بالشراء, وبعدما انتقلت إليه الملكية, أعلن اندماجه مع البنك الإسرائيلي!.
أفهم أن يشتري غير المصري مسكنا فاخرا أو مكتبا يدير منه أعماله, وهو ما سمحت به القوانين المصرية إلي ما قبل خمس سنوات خلت, حيث صار بوسع الأجنبي أن يتملك بيتا أو اثنين في حدود3500 متر مربع, وهي مساحة معقولة جدا, أفهم أيضا أن يشتري مصنعا فينتج شيئا ويشغل عمالا.
أفهم كذلك أن يستصلح أرضا فينمي ويعمر, وهو في كل ذلك يستفيد ويفيد, لكن الذي لا يزال عصيا علي الفهم أن يفتح الباب علي مصراعيه لشراء مساحات كبيرة من الأراضي يمكن ان تتحول الي تجمعات سكانية او مدن جديدة مملوكة لأناس قد لا نعرف من هم ومن أين جاءوا, وما هي بالضبط مقاصدهم, وإذا اطمأننا إلي كل ذلك, فإننا قد لا نطمئن إلي انعكاسات تلك الخطوة علي توازنات المجتمع التي هي جزء من مصالحه العليا.
علي صعيد آخر, فإن بيع الأصول من الخطورة بحيث لا يختلف كثيرا عن تفريط المرء في رصيده وممتلكاته, وهي ليست مغامرة فحسب, وإنما هو أيضا تعبير عن الكسل او القصور في التدبير, ذلك أن البيع فكرة لا إبداع فيها ولا جهد, لأن الأمر في هذه الحالة لا يحتاج لأكثر من إصدار قرار يترتب عليه نقل الملكية إلي صاحب السعر الأعلي, أما ما يحتاج الي ابداع والي جهد حقيقي فهو ان تنتج لا ان تبيع, فالأول اضافة والثاني سحب, والاول يحل مشكلة المجتمع, حيث يوفر سلعا ويفتح بيوتا ويحيي آمالا, أما الثاني فإنه يحل مشكلة الحكومة, إذ يوفر لها بسهولة سيولة تحتاجها لتشغيل ماكيناتها بما يساعدها علي أداء وظيفتها. (2) نقلت صحف صباح الجمعة(5/18) تصريحات للدكتور أحمد نظيف قال فيها: إن7,7 مليار جنيه من حصيلة المزاد سوف تخصص للخدمات الجماهيرية, من الصرف الصحي إلي تطوير الإسعاف والنقل وتأهيل وصيانة ألفي مدرسة بمختلف المحافظات, ولم يتحدث الدكتور نظيف عن مصير المليارات العشرة المتبقية, الأمر الذي فهم الخبراء منه أن ذلك المبلغ سوف يستخدم في تمويل عجز الموازنة العامة.
هذه الإجابة تقلق ولا تفرح- لماذا؟ لأن الإنفاق الحكومي له إطار يعمل فيه, طبقا للموازنة والخطة, وتخصيص نحو8 مليارات جنيه من حصيلة بيع الأراضي لتغطية حاجة الحكومة إلي موارد لأداء بعض الخدمات يعني أن ثمة قصورا في تلك الخدمات لم تخصص لها اعتمادات في الموازنة, ووفرت حصيلة بيع الأراضي فرصة معالجة ذلك القصور, الأمر الذي يثير سؤالين, أولهما: ما هي أوجه القصور الأخري التي لم تتوفر لها مصادر للتمويل بعد؟ السؤال الثاني هو: ما الذي كان يمكن أن يحدث للخدمات التي تؤديها الحكومة لو لم تبع الأراضي للمستثمرين؟
الموقف الذي نحن بصدده يسلط ضوءا كاشفا علي واحدة من أهم معضلات الاقتصاد المصري, وهي الزيادة المستمرة في النفقات التي تدفع الحكومة إلي الاقتراض بصفة مستمرة, تشهد بذلك تقارير البنك المركزي المصري, إذ طبقا لتلك البيانات فإنه فترة الـ18 سنة الواقعة ما بين عامي1981 و1999, التي تمت فيها أهم مشروعات البنية الأساسية, وصلت قيمة الدين المحلي الحكومي إلي147 مليار جنيه, وهذا الرقم تضاعف في السنوات الخمس التالية أي في الفترة من عام1999 إلي عام2004, حيث وصلت قيمة الدين المحلي الحكومي إلي293 مليار جنيه, واستمر المؤشر في تصاعد مثير للقلق, لأنه خلال السنتين التاليتين- ما بين2004 و2006 وصلت قيمة الدين إلي حوالي447 مليار جنيه, بزيادة300 مليار علي عام1999, وإذا علمنا أنه خلال هذه الفترة لم تحدث اضافات ذات قيمة الي المشروعات الانتاجية او مشروعات البنية الأساسية, فإن ذلك يعني ان تلك الزيادة الهائلة في حجم الدين تدل علي ان حجم الانفاق وصل الي درجة غير مسبوقة في تاريخ مصر المعاصر.
حتي نستوعب الصورة أكثر فقد يفيدنا أن نطل علي هذه الأرقام المستقاة من احدث نشرات البنك المركزي( ابريل2007) ومن مشروع الموازنة الجديدة المقدم الي مجلس الشعب. * حجم الدين المحلي والخارجي وصل إلي772 مليار جنيه, الأمر الذي يعني أن كل مواطن مصري حتي إن كان طفلا رضيعا, مدين الآن بعشرة آلاف وخمسمائة جنيه. * موازنة2007/2006 قدرت قيمتها الكلية بمبلغ217 مليار جنيه, منها92 مليارا لخدمة الدين(40 مليارا للأقساط و52 مليارا للفوائد). * في مصر49 هيئة اقتصادية تقدر استثماراتها بمبلغ430 مليارا و300 مليون جنيه( في2005/6/30), ولم تحقق عائدا في السنة المالية الأخيرة سوي9 مليارات جنيه فقط, بنسبة2% من جملة الأموال المستثمرة. * بسبب النقص في الإيرادات, فإن الحكومة تقترض شهريا ما بين أربعة وخمسة مليارات جنيه, بمعدل مليار ومائة مليون جنيه كل أسبوع. * لذات السبب فإن الحكومة لم تستطع تدبير الموارد اللازمة لكادر المعلمين علي سبيل المثال, وكان الدكتور احمد نظيف قد تحدث في العام الماضي عن الحاجة الي5 مليارات جنيه لكادر المعلمين, وهذا العام هبط بالرقم الي3 مليارات في خطابه امام مجلس الشعب, وحين نوقشت الميزانية في لجان المجلس, لم يمكن تدبير اكثر من مليار و200 مليون جنيه فقط, الأمر الذي يعني ان الآمال المعلقة علي تحسين أحوال المدرسين تراجعت الي حد كبير, بحيث ستكون الزيادة الشهرية في حدود79 جنيها فقط. (3) إزاء التراجع الكبير في الإنتاج ومن ثم ضعف الإيرادات لم يكن أمام الحكومة من حل سوي اللجوء إلي الاقتراض, فاستعانت في وقت مبكر بأموال شهادات الاستثمار, ثم بأموال التأمين والمعاشات, وإيرادات صناديق التوفير في البريد, وأصدرت سندات بيعت في الأسواق بضمان البترول, كما أصدرت سندات أخري بضمان الخزانة الأمريكية, وشرعت في بيع الأصول التي تمثلت في بيع شركات القطاع العام, وبعض البنوك, وجبال الرخام, ثم دخلت في بيع الأراضي.
خبراء الاقتصاد الذين تحدثت إليهم يقولون إن البيع ليس شرا كله, شريطة أن تكون التفرقة واضحة بين ما يمكن بيعه وبين مالا يجوز بيعه, وأن يكون هناك وعي بحقيقة أن ثمة بيعا يضيف الي القدرة الاقتصادية وآخر ينتقص منها, وما يسري علي البيع ينطبق علي مسألتي العجز والاقتراض, فهم يقولون إنه لا غضاضة في أن تواجه الموازنة عجزا مؤقتا, فذلك يحدث في دول عدة, لكنهم يرون خطرا في ان يتحول المؤقت الي عجز دائم, ويطرحون تحفظا يختزله السؤال التالي: هل العجز سببه الحرص علي تغطية المصاريف الجارية, أم أنه ناشئ عن توجيه السيولة لإقامة مشروعات إنتاجية تدر عائدا, فإذا كان السبب الأول هو مصدر العجز فتلك علامة سلبية تدل علي أن السياسة الاقتصادية لم تنجح في تدبير الإيرادات المرجوة, وأن الأموال تستهلك بغير طائل, ومن ثم تلقي في بئر بلا قاع, أما إذا كان الثاني هو السبب فمعناه أن الأموال لها مردودها في الاستثمار والتنمية.
يسري هذا الكلام علي عمليات الاقتراض التي توظف فيها المدخرات او حصيلة السندات, حيث لا غضاضة في اللجوء اليها, الا اذا كانت الاموال تستخدم لتغطية إنفاق الحكومة ومصروفاتها الجارية, ولم تستخدم في تمويل المشروعات, وستكون المغامرة كبري, والورطة أشد اذا استمر الاقتراض دون ان يكون معلوما كيف سيتم سداد الديون, لأن التجهيل في هذه الحالة يعني ترحيل المشكلة. (4) ثمة وجه آخر لقضية بيع الأراضي التي جرتنا إلي الاستطرادات التي مررنا بها, يتصل بتأثير عملية البيع علي سوق العقار في مصر, ومن ثم علي مجمل ملف الإسكان. ذلك أن دخول الشركات الاستثمارية في سوق العقار أحدث زلزالا هز كل مقوماته, ولم ينج من أصدائه أحد سواء من المشتغلين في هذا المجال, أو من الباحثين عن سكن, مرورا بفئات المهنيين والحرفيين ذوي الصلة بالمعمار. فحين دخلت شركة إعمار الإماراتية العملاقة الي مصر, اشترت مساحات من الأراضي حول القاهرة وفي الساحل الشمالي, فإنها رفعت أسعار الأراضي علي الفور, وتزامن ذلك مع عملية بيع الأراضي بالمزاد التي استنتها الحكومة الحالية, الأمر الذي أصاب سوق العقار بلوثة تضاعفت بمقتضاها أسعار العقارات علي نحو غير مسبوق حيث وصل سعر متر الأراضي في الصفقة التي تمت أخيرا الي اربعة آلاف جنيه, فإننا اذا اضفنا الي السعر قيمة المرافق مع المساحات التي سوف تقتطع منها للطرق والمساحات الخضراء, فمعني ذلك أن سعر أرض المباني سوف يصل الي نحو ثمانية آلاف جنيه للمتر الواحد, معناه أيضا أن كل تلك المناطق العمرانية الجديدة ستكون للأثرياء دون غيرهم, وبرغم أنه لا يخطر علي البال أن يكون لمتوسطي الحال وحتي المقتدرين العاديين نصيب فيها( لا تسأل عن الفقراء), فإن المشكلة أن هؤلاء الأخيرين لن يطردوا تلقائيا من تلك المناطق فحسب, وإنما ستصبح حياتهم أكثر صعوبة بسببها, فسواء كانوا باحثين عن مسكن أو طامعين في أن يحسنوا من أحوالهم المعيشية وينتقلوا إلي سكن أفضل فإن آمالهم تلك ستصبح أحلاما بعيدة المنال, بسبب الارتفاع التلقائي في أسعار الاراضي والمساكن والإيجارات.
نقلت هذه الصورة لمدير احدي شركات الاستثمار الخليجية التقيته أخيرا, فعلق علي كلامي قائلا: إننا لم نأت إلي مصر لحل مشكلة الاسكان فيها, ولكننا جئنا لكي نستثمر أموالنا ونربح, أما حل المشكلة ورعاية مصالح الطبقة المصرية الفقيرة, فهو من مسئولية الحكومة وليس شغلنا.
كلام الرجل كان مقنعا, ومع ذلك فإنه لم يبدد شعوري بالقلق, لأنني وجدت أن الحكومة في هذه الصفقات تفكر بالعقلية ذاتها, فهي تريد أن تربح غير مدركة للمسئولية الاجتماعية الملقاة علي عاتقها إزاء أزمة السكن, وإذا وجدت للمستثمر الخليجي عذرا, فإنني لم أستطع أن أعذر الحكومة, ولم أستطع أن أخفي شعوري إزاءها بالعتب والغضب.
| |
|